سيد محمد طنطاوي
305
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ) * . والاستفهام للإنكار بمعنى النفي ، وهم يريدون بهذا القول تبرئة نفوسهم من أن يكونوا سببا فيما أصاب المسلمين من آلام يوم أحد ، وأن الذين تسببوا في ذلك هم غيرهم . أي : يقول بعضهم لبعض ليس لنا من الأمر شيء أي شيء فلسنا مسئولين عن الهزيمة التي حدثت للمسلمين في أحد لأننا لم يكن لنا رأى يطاع ولأن اللَّه - تعالى - لو أراد نصر محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لنصره . وهذا القول قاله عبد اللَّه بن أبي بن سلول حين أخبروه بمن استشهد من قبيلة الخزرج في غزوة أحد . وذلك أن عبد اللَّه بن أبي لما استشاره النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في شأن الخروج لقتال المشركين في أحد أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة ، إلا أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خرج لقتال المشركين بناء على إلحاح بعض الصحابة . فلما أخبر ابن أبي بمن قتل من الخزرج قال : هل لنا من الأمر شيء ؟ يعنى أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لم يقبل قوله حين أشار عليه بعدم الخروج من المدينة . وقد أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يرد على هؤلاء الظانين باللَّه ظن السوء بقوله : * ( قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّه لِلَّه ) * . أي قل لهم إن تقدير الأمور كلها اللَّه - تعالى - وحده وإن العاقبة ستكون للمتقين ، إلا أنه - سبحانه - قد جعل لكل شيء سببا ، فمن أخلص اللَّه في جهاده وباشر الأسباب التي شرعها للنصر نصره اللَّه - تعالى - ومن تطلع إلى الدنيا وزينتها وخالف أمر نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أدبه اللَّه - تعالى - بحجب نصره عنه حتى يفيء إلى رشده ويتوب توبة صادقة إلى ربه ، ويتخذ الوسائل التي شرعها اللَّه - تعالى - للوصول إلى الفوز والظفر . فالجملة الكريمة معترضة للرد عليهم فيما تقولوه من أباطيل . ثم كشف - سبحانه - عما تخفيه نفوسهم من أمور سيئة فقال : * ( يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ . يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا ) * . أي : أن هؤلاء الذين أهمتهم أنفسهم : والذين يظنون باللَّه غير الحق . يخفون في أنفسهم من الأقوال القبيحة والظنون السيئة أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية مالا يستطيعون إظهاره أمامك . وهذه الجملة حال من الضمير في قوله * ( يَقُولُونَ هَلْ لَنا ) * السابقة .